سؤال الجمهورية

Sep 5th, 2009 Posted in | No Comments »

 

Genuin post at Egyptian Debate التدوينة الأصلية على مدونة "حوارات مصرية"ـ

Genuin post at Egyptian Debate التدوينة الأصلية على مدونة "حوارات مصرية"ـ

Follow me 100x39

Facebook F

Facebook F

النهوض من أجل الجمهورية

 


أسئلة الحاضر الذى شاخ،


وأسئلة مستقبل يبحث له عن مهد!

افترضوا معى حالة قوم امتلكوا أصلاً من الأصول على المشاع فيما بينهم، وافترضوا أن هذا الأصل كان ثميناً لدرجة أقلقت أصحابه من أن ينازعهم عليه الطامعون، أو أن يخطفه فى غفلة منهم المتربصون، أو أن تعصف به حسابات خاطئة، أو أن يذهب به تنازع يكون بين أصحاب الرأى فيهم: كل واحد منهم يرى أنه صاحب الرأى السديد، وأن ما يرى فى إدارة هذا الأصل وحمايته وإنمائه هو حكمة لا تُرّدُّ ولا تُراجَع؛ ثم افترضوا معى أن أصحاب الأصل قد اتفقوا فيما بينهم على أن يودعوا الأصل الثمين أمانة لدى واحد منهم، يُحَكِّمونه فيما يشجر بينهم، ويعهدون إليه بحفظ الأصل وإدارته لحساب الجماعة التى اتفقت على توارث الأصل الثمين جيلاً من بعد جيل.

أقسم صاحبنا على الملأ بأن الأصل الثمين هو مشاع بين أفراد الجماعة، لا يستأثر به دونهم، ولا ينكر عليهم حقهم فيه، كما لا يستأثرون هم بالأصل دون ورثتهم، ولا ينكرون حق الأجيال القادمة فيه؛ وهكذا صار الرجل بعد القسم وبعد العهود الموثقة حفيظاً على الأصل، يديره لحساب الجماعة دون أن يملكه، ويستعين بمن يشاء على إدارة الأصل وحمايته دون أن يدعى لهم أو لنفسه من الاختصاصات غير ما حددته الجماعة، ودون أن يعطى نفسه أو مخالطيه صلاحيات غير ما ارتضته الجماعة فوافقت عليه، وغير ما يحقق مصالحها التى جعلته حفيظاً على ما تملكه الجماعة من أصل ثمين.

افترضوا معى الآن أن أخباراً قد تناثرت على أفواه الحاقدين بأن الرجل إنما حنث بيمينه، وتنكر لعهوده ومواثيقه، وأنه صار يرى نفسه صاحب الأصل لا الجماعة، بل صار يحدد لنفسه ولرجاله اختصاصات غير ما كانت قد ارتضته الجماعة، ويمنح نفسه ورجاله صلاحيات غير ما يحتاج ليكون حفيظاً على الأصل الثمين؛ حتى لقد تناقلت ألسنة أهل الغرض أن الرجل قد صار وحده يحدد ماذا يكون من أمر أصول الجماعة التى كان قد ائتُمِن عليها، وأنه صار يقرر من يكون له حق الانتفاع بها والاغتراف منها دون غيره من أصحاب الأصول؛ بل سارت الشائعات بين الناس بأنه ينوى توريث هذه الأصول لأهل بيته، وإسكات كل صوت يطالب بحق الجماعة فى الولاية الأصيلة على هذه الأصول؛ بل تلقفت الآذان شائعات مسمومة بأنه ينوى توظيف ما استحدثه لنفسه من صلاحيات لتجريم كل من يطالب بأن تسترد الجماعة وديعتها، بل وتجريم الجماعة نفسها إن هى رأت أن تعهد بالأمانة لغيره ممن ترى فيه الجدارة بأن يتقدم الصفوف فيحظى بالثقة حفيظاً جديداً بعد أن تقدمت بصاحبنا السنون.

افترضوا الآن أن صاحبنا أنكر كل هذه الشائعات التى وصفها بالخبيثة، وأكد لجماعته مراراً وتكراراً أنه ما زال الحفيظ على الأمانة بإرادة أصحابها، وأنه لم يبددها، ولم يسمح لأحد بأن يغترف منها بغير الحق نصيباً غير نصيب غيره من الجماعة صاحبة الولاية الأصيلة على الكنز الثمين، فهل تصدقه الجماعة وتُكَذِّب ما سار من الأخبار بين الناس سريان النار فى الهشيم، أم هى تصدق الأخبار وتُكَذِّب صاحبنا؟ قد تقرر الجماعة أن تصدق من اختارته حفيظاً على أصلها الثمين، كما قد تقرر تصديق ما يثار بشأنه من شائعات يتداولها الناس، وهى فى الحالتين صاحبة حق وقرارها لا يجرمه القانون؛ فإن هى جددت ثقتها بالقائم على الأمانة، وكان صاحبنا خائناً، فهذه مسؤوليتها؛ وإن هى طالبته باسترداد الأمانة، وكان القائم عليها حافظاً للعهد، فليس من حقه أن يمنع الجماعة عن استرداد أصولها بحجة أنه قائم عليها بالحق! يصدق الرجل إذن حين ينفى الشائعات الخبيثة والمغرضة حين يؤدى الأمانات إلى أهلها، وتصدق الشائعات ولا تكون خبيثة إذا ما امتنع الرجل عن أداء الأمانة حين يطلبها أهلها، وإلا فلماذا يمنعها عنهم ويمنعهم عن الوصول إليها او حتى المطالبة بها؟!!

Egyptian Flag

ماذا تراهم يفعلون المصريون إذا هم كانوا أصحاب الأمانة؟ أغلب الظن عندى أنهم سيلجأون للمثل الشعبى الذى توارثوه عبر الأجيال، أعنى قولهم: “حَرَّص من اخوك ولا تخَوِّنُوش”! وربما كان هذا بالفعل هو ما فعله المصريون، فعلى الرغم من أنهم لم يكونوا “حريصين” بالقدر الكافى فى التعامل مع حفظة الكنز العام، إلا أنهم لم يتهموا حفيظاً على هذا الكنز بخيانة الأمانة، بل هم تركوه فى عهدته لسنوات امتدت لعقود طويلة دون أن يستبدلوا حفيظاً بحفيظ، حتى أن أجيالاً بأكملها لا تكاد تعرف حفيظاً على كنز الجماعة إلا شخصاً واحداً لا يتغير، فالذاكرة العامة لم تعد تحفظ من طول العهد إلا صورته، واللسان العام لا يكاد يذكر بعد الأيام إلا اسمه! وقد أنضمُّ من جانبى إلى حكمة المصريين، فلا أتهم بدورى أحداً بخيانة الأمانة التى ائتُمِن عليها، ولا أنا أشك أو أُشَكِّك فى ذمة أحد؛ فقط أعتقد ان الوقت قد حان – حتى بالنسبة للحكيم الحليم من الناس – لقطع دابر الشائعات المغرضة والخبيثة التى تريد منا أن نسير فى طريق “ثورة الشك” الذى لا يقطعه اليقين!

لو أننى كنت قد أثرت هذا الحديث منذ زمن لطالبت الرئيس مبارك الذى ائتمناه حفيظاً على الدولة المصرية وعلى قيم الجمهورية أن يقطع الشك باليقين، وأن يتخذ من الإجراءات التنظيمية الإدارية والقانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية الشئ الكثير، ولكنت قد سَوَّدت الصفحات بأحبار تنوء بحمل قنانيها قوافل التجار! لكن الزمن قد تجاوز كل هذا، ولم تعد ثمة ضرورة لإرهاق أصحاب القوافل ببضاعة الأوراق وأحبارها، ولا لإرهاق أصابعى بالكتابة، ولا لإرهاق الرئيس بالقراءة وهى لم تعد ممكنة كما كانت من قبل؛ فقد جاوز السيد الرئيس الحادية والثمانين من العمر، متعه الله بالصحة والعافية فيما تبقى له منه ومنها؛ وحين ينهى سيادته فترة رئاسته الخامسة، أتمها الله عليه وعلينا دون ما يرهقه ويرهقنا، فسيكون سيادته قد جاوز الثالثة والثمانين من عمره، وهى سن متقدمة لا تشين الرئيس فى شئ، وإنما هى سُنَّة الحياة التى جعلها الله تبدأ بميلاد وتنتهى بموت قد يسبقه اعتلال فى صحة الجسد وفى صحة العقل اللذين لا يقوى أيهما وهو فى الثمانين على ما كان يقوى عليه وهو فى الخمسين أو الستين.

ليس من حكيم، وأعتقد فى الرئيس حكمة القرية المصرية، من يتصور أن يرشح السيد الرئيس نفسه لفترة رئاسية سادسة، فالناس لا تختار حفيظاً على الدولة وعلى قيم الجمهورية لثلاثة أو لستة شهور، وإنما هم يختارونه لست سنوات كاملة، ولو أنهم اختاروا الرئيس مبارك لهذه الفترة الرئاسية الجديدة لأنهاها سيادته وهو على مشارف التسعين من عمره، لا يفصله عن احتفاله بذكرى مولده التسعين إلا نحو ستة أشهر! وقد أشفق على الرئيس أن يحكم بلداً بحجم وثقل مصر وهو فى التسعين، فهذا مما يشق عليه وعلينا، وليس من رئيس – حتى ولو كان الحكمة تسير على قدمين – يقدر على أن يقوم بأعباء المنصب، وأن يحفظ الأمانة دون أن تتخطفها الجوارح، ودون أن يبددها أصحاب الأهواء، وهو فى هذه السن المتقدمة.

بعيداً عن أية حسابات سياسية، إذن، فإن انتهاء عهد الرئيس/ محمد حسنى مبارك، مع نهاية فترته الرئاسية الخامسة، هو أمر تحتمه الحكمة، وتحتمه المصلحة، كما تحتمه قوانين الطبيعة ونواميس الحياة التى لا نملك ردها أو التمرد عليها؛ وعند التخالص بين الطرفين يكون السؤال قائماً عن ما هى حقوق كل طرف على الآخر: ما هى حقوقنا على الرئيس مبارك وهو ينهى رئاسته؟ وما هى حقوقه علينا بعد أن امتد به الأمد رئيساً لمصر لثلاثة عقود كاملة؟! هذا هو سؤال الألف يوم القادمة، أو هو عدد يقارب الألف وقد يقصر دونها؛ فهو ليس سؤال الفساد الذى استشرى، ولا سؤال اليأس الذى سكن الضمائر والأفئدة، ولا هو سؤال الانحطاط الحضارى الذى أخذنا وأخذ مصر معنا إلى حيث نحن الآن؛ فالسؤال عن من تراه المسؤول عن كل هذا وغيره هو سؤالُ حاضرٍ انقضى أوانه منذ زمن طويل، وليس من الحكمة أن نهدر أسئلة المستقبل لحساب أسئلة حاضر مضى وصار فى ذمة التاريخ؛ وإنما تبدأ أسئلة المستقبل بسؤال “التخالص” بين الحاضر الذى شاخ وأمسى ماضياً ينسحب إلى خلفية الصورة، وبين مستقبل يريد أن يولد ويأبى الماضى أن يترك له فى مقدمة الصورة مكاناً لمهد يحتضن العهد الجديد! 
  • Share/Bookmark